«آمن»: مرض العصر داخل القفص الذهبي


بالنظر إلى تصوير المرض في السينما، يهيمن نوعان سينمائيان: الميلودراما والرعب. ورغم وضوح الاختلافات بينهما، يميل كلاهما إلى التوافق مع سردية علاجية تُفهم فيها الأمراض وتُعالج، ثم إما تُهزم أو تُثبت أنها قاتلة. هذا هو جوهر الخطاب الطبي؛ فالمرض قابل للتشخيص وغير مرغوب فيه في آنٍ واحد. فماذا إذن عن فيلم «آمن» الذي يجمع بين الميلودراما والرعب الذي زعم مخرجه «تود هينز» أنه «ينحاز إلى جانب المرض لا العلاج»؟


Safe (1995)

يأخذنا المخرج القدير «تود هينز» في رحلة باردة ومقلقة، مليئة بالرموز والإسقاطات التي تتسلل بهدوء إلى عقل المشاهد. فيلم «آمن» ليس فيلم رعب تقليديًا يعتمد على الوحوش أو ما شابه ذلك. إنما عمل يزرع الخوف داخل تفاصيل الحياة اليومية نفسها، وان كان هنالك وحشًا فهو كل ما يحيط بنا. فيلم جريء يلامس موضوعات أوسع وأكثر تعقيدًا، مثل هشاشة الهوية، هيمنة المجتمع الاستهلاكي، سلطة الخطاب العلاجي، ووهم الأمان داخل الحياة الحديثة. يقدّم كل ذلك في قالب بسيط ظاهريًا، لكنه يزداد ثقلًا وإزعاجًا كلما تعمقت فيه. من تلك الأعمال التي لا تنتهي مع انتهاء الفيلم، بل تظل عالقة في الذهن كشيء غير محسوم. تاركة أسئلة أكثر من الإجابات.

تدور أحداث فيلم «آمن» في عام ١٩٨٧ في ضواحي لوس أنجلوس عن ربة المنزل المتألقة  كارول وايت التي تقضي أيامها في قضاء حوائجها، وإصدار الأوامر لمدبرة منزلها، وحضور دروس التمارين الرياضية. حياة مريحة ولكنها رتيبة للغاية؛ وما يُعتبر حدثًا دراميًا في حياتها هو وصول أريكة جديدة بلون خاطئ، أو اقتراح صديقة لها بتجربة حمية غذائية رائجة تعتمد على الفاكهة فقط. تُصاب كارول بمرض غامض لا يصدقه طبيبها. تتفاقم الأعراض، التي تشمل الدوار والنزيف والتشوش الذهني وضيق التنفس، لدرجة تدفعها إلى الانضمام إلى منتجع نقاهة في الصحراء، وتبدأ رحلة علاجها بطريقة بديلة. 

فيلم «آمن» فيلم غامض ومُحير، ودليل ذلك كثرة التأويلات المختلفة التي استوحاها على مر السنين؛ فبحسب ما تقرأ، يُعتبر الفيلم هجومًا على الضواحي، أو بيانًا نسويًا بيئيًا، أو عن القلق والاغتراب النفسي أو رمزًا لأزمة الإيدز، بفضل خلفيته في سينما الكوير الجديدة.

يمتلئ الفيلم بالإشارات والدلالات، لكنه يتعمّد في الوقت نفسه أن يخلو من العلامات الإرشادية الواضحة، ولذلك فهو فيلم يدعو إلى القراءة المتأنية والتأويل الدقيق. وأمام بطلة تبدو كفراغ إنساني أكثر من كونها شخصية مكتملة، يجد المشاهد نفسه مضطرًا إلى ملء الفجوات بنفسه، وأحيانًا على نحو حرفي تمامًا. 

ففي أحد المشاهد المبكرة، تزور كارول صديقة لها تخبرها عن خسارة حديثة ألمّت بها، في حوار يقوم بأكمله على التلميحات المواربة والعبارات المبتورة. نستنتج أن الفقيد كان شقيقها، أو أخاها غير الشقيق، بينما تدور المرأتان حول موضوع ميوله الجنسية وسبب وفاته، من دون أن تنطقا مرة واحدة بما يشغل ذهنهما، أو تذكرا كلمتي «مثلي» أو «الإيدز» صراحة.

بالنسبة إلى كثير من مشاهديه الأوائل، بدا «آمن» عصيًّا على التشخيص بقدر ما كانت علّة كارول نفسها عصيّة على التفسير. فالصفة الأبرز التي تميّز الفيلم هي غموضه الجامد، ذلك الغموض الذي يتعمّد الحفاظ على ملامح محايدة لا تكشف نفسها بسهولة. إذ يتحرّك منظوره، على نحو يكاد لا يُلحظ، بين السخرية والتعاطف؛ فيما يمتزج الهزل والرعب بنسب متقلبة لا يمكن التنبؤ بها.

ويترك السيناريو المحكم، والإخراج المتقن، إلى جانب الأداء المذهل الذي قدّمته «جوليان مور»، الباب مفتوحًا أمام احتمال أن تكون حالة كارول ذات أساس جسدي حقيقي، وفي الوقت نفسه ذات بعد نفسي عميق. ويعمل الفيلم، من جهة ما، بوصفه استعارة لمرض الإيدز، إذ يتناول اعتلالًا يصيب الجهاز المناعي، كما يتناول أنماط التفكير المرتبطة بحركات العصر الجديد، تلك التي لجأ إليها كثير من المصابين بالأمراض المزمنة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بوصفها بديلًا عن الطرق المسدودة التي انتهى إليها الطب التقليدي. وعلى الرغم من أن قضية الإيدز تُلقي بظلالها على فيلم «آمن» (خاصةً بالنظر إلى تاريخ هينز كناشط مع مجموعة العمل المباشر لمكافحة الإيدز «أكت أب») غير أن «تود هينز» يرفض أن يجعل «آمن» مجرد فيلم عن الإيدز فحسب. وعلى العكس، فإن مقاربته المائلة والجانبية للموضوع، والتي لا تصدر عن تردد أو خشية، تتيح له أن يفحص أكثر أفكاره إثارة وجرأة: الحكايات التي نقصّها على أنفسنا عن المرض، وحاجتنا العميقة إلى الإحساس بالسيطرة ولو كانت وهمًا، والطمأنينة المشوهة التي قد نجدها في الشعور بالذنب وتحميل الذات المسؤولية، وكل ذلك بعيدًا عن الفخ الضيق لسياسات الهوية. 


 كارول.. الهوية المنزوعة

Safe (1995)

كارول وايت الشاحبة والهزيلة، بصوتها الطفولي المبحوح، تكاد تعجز عن إتمام جملة واحدة. كل عبارة تنطق بها، بلهجتها الوادعة المرتفعة النبرة، تبدو وكأنها سؤال، أو اعتراف بمكانتها المهزوزة وغير الواثقة في العالم. تتكلم قليلًا وتعتذر كثيرًا، تبدو كأنها تعيش حياة صُممت لها من قبل الآخرين.

 متلاشية الحضور إلى حدّ يكاد يجعلها غير مرئية، كما أنها تخاطب خادمتها اللاتينية فولفيا بلهجة طفل متوسّل. وحتى أكثر محاولات الأحاديث العابرة اعتيادية، سواء في غرفة تبديل الملابس بالنادي الرياضي، أو في حفل استقبال مولود، أو مع عامل التنظيف، تتحول إلى حقول ألغام من الصمت المشحون والمتوتر.

قدّمت «جوليان مور» في دور شخصية كارول أفضل أداء في مسيرتها. على الأقل بالنسبة لي. كان أداءًا مبهرًا للغاية، يرتكز على التفاصيل الصغيرة أكثر من اللحظات الانفعالية الصاخبة. لم تلجأ إلى المبالغة أو الاستعراض، بل شيّدت الشخصية من خلال نظرات مترددة، ونبرة صوت واهنة، وحضور جسدي منكمش يوحي بانطفاء داخلي عميق. جعلت كارول تبدو امرأة تتآكل بصمت، حاضرة وغائبة في آن واحد، وكأنها تعيش على هامش حياتها الخاصة. وتبرز براعة «مور»  في قدرتها على تجسيد الهشاشة والضياع من دون أن تفقد الشخصية تعقيدها الإنساني، إذ لا تظهر كارول مجرد ضحية ساذجة، بل ككائن تائه داخل عالم لا يمنحه لغة يعبّر بها عن ألمه. أداء قائم على الاقتصاد والذكاء، يثبت أن أعظم التمثيل لا يحتاج دائمًا إلى المبالغة، بل أحيانًا إلى همسة مرتجفة تكشف كل شيء.


صرخة الجسد ضد العالم

Safe (1995)


رغم ثراء التفسيرات المتعددة للفيلم وصحتها، غالبًا ما يُنظر إلى المرض في السينما كرمز لشيء آخر، سواء أكان ذلك الجوانب البغيضة للمجتمع أو النفور من أجسادنا الفانية، على حساب النقاش حول الحالات المرضية الفعلية. في الواقع، كتبت سوزان سونتاغ أن «لا شيء أشد قسوة من إضفاء معنى على المرض» لأنه يؤدي حتمًا إلى تسييس الجوانب البيولوجية. لكن بالطبع، المرض ليس كيميائيًا بحتًا، فهناك شبكة سلطة كاملة مبنية حول تصنيفه وعلاجه. وبالنظر إلى المرض كما هو في فيلم «آمن»، يمكننا البدء في كشف الرعب الحقيقي لهذه التحفة الفنية في عالم الرعب.

بالنسبة لي يُعد هذا الفيلم من أدق التوصيفات للإغتراب عن النفس والمجتمع. كارول على أنها تحظى بحياة تبدو مرفهة من عائلة وبيت أشبه بالقصر والعديد من الخدم و الأصدقاء الى أنه لا يبدو عليها السعادة إطلاقًا، تبدو على الدوام قاب قوسين من الشلل، ولا سيما أثناء العلاقة الحميمة، حين تستلقي بلا حراك تحت زوجها غريغ «زاندر باركلي» الذي لا يصدر منه سوى التأوّه الغريزي. ولا يتضح لنا أن بينها وبين ربيبها روري أي رابطة أمومية واضحة يمكن تمييزها. حتى مع رفيقاتها لا يبدو أنها تستطيع مشاركتهن الاهتمامات، فبالرغم من وجودها الفيزيائي بجانبهم الى أن روحها في مكان اخر تمامًا.

وبالنسبة إلى كارول كما بالنسبة إلينا نحن المشاهدين، تبدأ شخصيتها بالتشكّل تدريجيًا من خلال أعراض علّة غامضة لا تفسير واضحًا لها. عوادم الطرق السريعة تتركها تختنق، وتجعيد الشعر يتسبب لها في نزيف أنفي، ومزيل عرق زوجها يدفعها إلى التقيؤ (أو لعلّ السبب هو الزوج نفسه). طبيب الأسرة يصرّ على أنه لا يوجد ما يعتلّ جسديًا فيها، كما يعجز اختصاصي الحساسية بدوره عن تفسير ما الذي قد يثير لديها مثل هذه التفاعلات الحادة.

في لحظة عفوية، قررت كارول عمل تجعيد دائم لشعرها (يحتوي المشهد على اللقطة المقربة الوحيدة في الفيلم)، حيث يظهر كريم التصفيف وهو ينساب على شعر كارول المجعد. وبينما تستعرض كارول تسريحة شعرها الجديدة بمرح، يسيل الدم من أنفها. تشعر بالخوف والذعر، وتتصاعد الموسيقى التصويرية المشؤومة، لكن الرعب يُقاطع بجملة حوارية عابرة وغير مناسبة:«على أي حال، إذن...». ينتقل بنا المشهد فجأة إلى غرفة نوم كارول في وقت لاحق من ذلك اليوم، حيث يروي زوجها غريغ قصة. لا يوجد مكان لمرض كارول في سياقها الاجتماعي.

ييزداد غريغ غضبًا من مرض كارول، ويرجع ذلك في الغالب إلى أنها لا ترغب في ممارسة العلاقة الحميمة. وعندما يحاولان المصالحة بعناق، تتقيأ عليه. يبدو أنها تعاني من حساسية تجاه نمط حياتها، حتى تجاه عائلتها، فجسدها نفسه يثور عليها، مما يجعل من المستحيل عليها الاستمرار في أداء هذا الدور. ينكر كل من غريغ وطبيب كارول أن مرضها جسدي،  ويصفه الطبيب بأنه «إجهاد عاطفي». لكن كارول تشعر بتفاقم الأعراض بنفسها، مما يقوض ثقتها في العالم الذي يحكمه هؤلاء الرجال. جسدها يعلمها بالخوف.

فالرجال المحيطون بكارول، ومن بينهم غريغ، فيكادون يجزمون بأن الأمر ليس سوى حالة من الهستيريا النسائية، موحين بأن ما تعانيه ليس إلا وهمًا يسكن رأسها. غير أن إجابة بديلة تلوح حين تلمح منشورًا في النادي الرياضي كتب عليه: «هل تشمّ الأبخرة؟ هل أنت حساس تجاه القرن العشرين؟»

ومن خلال مجموعات الدعم، تتعرّف إلى ما يُعرف باسم الحساسية الكيميائية المتعددة، أو المرض البيئي؛ وهو مرض يطالب، حتى في تسميته ذاتها، بأن يُقرأ بوصفه استعارة.


عندما يصبح الملاذ سمًا

Safe (1995)

 يكشف «آمن» منطق الطائفة المرتبطة بحركات العصر الجديد، بما تنطوي عليه من عبادة للذات، وتصوّر للخلاص بوصفه سلعة قابلة للبيع، كما يكشف الظروف التي تسمح بازدهار هذا الخطاب. فالبيئة التي تنهك كارول لا تحتضن مجرد عناصر كيميائية متناثرة فحسب، بل تحمل أيضًا تيارًا خفيًا من الخوف، وجوعًا غامضًا إلى الخلاص: خطابات إذاعية غاضبة، وإعلانات تلفزيونية رتيبة، وأحاديث عابرة في صفوف التمارين الرياضية عن «الصيانة العاطفية».

وفي هذا المناخ المشبع بنبوءات النهاية، تجد كارول طريقها إلى أرض موعودة زائفة في قلب الصحراء، إلى منتجع يُدعى «رينوود»، يديره مرشد للتنمية الذاتية يُدعى «بيتر دانينغ». ويخبرها أحد أتباعه بأن بيتر، بوصفه «شخصًا حساسًا كيميائيًا ومصابًا بالإيدز»، يمتلك رؤية «واسعة على نحو لا يُصدّق».

وحيث شكّك الأطباء في وجود مرضها أصلًا، يمنحها «رينوود» اعترافًا بمعاناتها، ومن خلال هذا الاعتراف يمنحها شعورًا بالتصديق والشرعية. غير أنه، في الوقت نفسه، يغرس فيها رسالة شديدة السمية والالتباس: حتى لو كانت المواد الكيميائية هي ما يمرضك، فإن السبب الحقيقي يكمن في داخلك.

أما العلاج، فيتمثل في برنامج صارم من تحسين الذات، يبدو في حقيقته أقرب بكثير إلى جلد الذات وتحميلها المسؤولية. إذ يقول بيتر لأتباعه: «الشخص الوحيد القادر على أن يجعلك مريضًا هو أنت». وهي عبارة تكاد تكون اقتباسًا مباشرًا من كتاب «كتاب الإيدز: صناعة مقاربة إيجابية»، أحد عدة كتب حققت أعلى المبيعات لمعلّمة العصر الجديد «لويز هاي»، التي جمعت ثروة كبيرة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهي تروّج للتفكير الإيجابي بوصفه علاجًا معجزًا لكل داء.

إن هذا النزوع الفرداني يتعامل مع الجسد البشري ذاته كما لو كان بناءً محكم الإغلاق، مكتفيًا بنفسه ومنفصلًا عمّا سواه. غير أن الحقيقة هي أن كل واحد منا كائن «عابر للجسد»، بمعنى أنه ممتدّ ومتوزّع بين بدنه وبين ما لا يُحصى من البيئات التي يمر بها ذلك البدن ويحتكّ بها. فهوياتنا لا تتحدد بحدود الجلد وحدها، بل بالأماكن التي نرتادها، والأشخاص الذين نخاطبهم، والأفكار التي نسمح لها بأن تقيم في أذهاننا. وتحلّ كارول تناقضات علّتها بمحاولة عدوانية لعزل نفسها عن العالم وإحكام الإغلاق عليه. وبالفعل، تنتهي إلى عزلة تامة، راضية تمام الرضا، سواء أكان ذلك الرضا حقيقيًا أم زائفًا.

وهذا أمر مألوف لنا جميعًا، على نحو أو آخر. فكثيرًا ما نعرف ما الذي ينهكنا ويجعلنا مرضى، سواء كان تلوث الهواء، أو الإفراط في العمل، أو سوء وضعنا المالي. وأمام عوائق بهذا الحجم تحول دون العافية، قد يشعر الفرد بالعجز عن إحداث التغييرات الضرورية بمفرده. يستطيع الأطباء أن يقدّموا لنا الدواء أو استراتيجيات التكيّف، وهي في أحيان كثيرة وسائل حيوية ومنقذة للحياة، لكن إذا سلّمنا بأن السياق هو الذي يصوغ الإنسان، فكيف يمكن شفاء الأجساد من دون تغيير الأمكنة التي تسكنها؟

ولهذا تكون الأمكنة مخيفة، لا لأنها تقتحمنا من الخارج، بل لأنها تُنشئنا من الداخل. فإذا كان المريض يوجد عند نقطة التماس بين الجسد والبيئة، فإن مفهوم «المساحة الآمنة» يكتسب أبعادًا أكثر تطرفًا وحدّة. إن انسحاب كارول من مشهد طبيعي خطِر لا يجعلها معافاة، بل ينتهي بها الأمر معزولة داخل كوخ معقّم، لا يرافقها فيه سوى انعكاسها في المرآة.

وقبيل نهاية الفيلم بقليل، تلقي كارول كلمة في عيد ميلادها أمام رفاقها في المنتجع العلاجي. وفي معظم الأفلام التي تتناول المرض، يكون هذا النوع من المشاهد لحظة استنارة أو كشف نهائي، فرصة تُختتم بها الحكاية عبر إعلان الذات الكاملة التي صمدت رغم المرض. وهو التصور الذي قلبه «تود هينز» رأسًا على عقب.

 فتود هينز يكاد يحتفي عمدًا بانعدام الوضوح لدى كارول. تتكلم في تشتت وارتباك، بكلمات متعثرة، وجمل غير مكتملة، ومسارات فكرية تتقاطع ثم تتلاشى في الصمت. ومع ذلك، يرفع المرضى الآخرون كؤوسهم لها في بهجة مصطنعة؛ إذ يشاركون في تمثيل ذلك الوضوح الذي يفرضه عليهم برنامجهم العلاجي، حتى وإن كان كل شيء من حولهم يفتقر إلى المعنى.

وهكذا، فإن المرض في «آمن» لا يُفهم، ولا يُهزم، ولا يمكن القول إنه ينتصر أصلًا. إنه ببساطة يقلب نظرة كارول إلى محيطها الاجتماعي بأسره، لأنه لم يعد يسمح لها بإنتاج معنى داخل ذلك العالم. يغدو جسدها شيئًا عصيًّا على الهضم، متمرّدًا، خطرًا. أما معنى حالتها، فيكمن في أن تعريفها المراوغ يفتح هوّة بين الجسد والذات، ويكشف مفارقة وجودية محيّرة: فعقولنا الواعية نفسها تُبنى داخل سياقات قد تكون اعتباطية إلى حد بعيد، ومع ذلك، بوصفنا كائنات مادية، لا بد لنا أن نوجد في مكان ما. ووفاءًا لطبيعته كفيلم يصرّ بإلحاح على قوة الأسئلة التي تظل بلا جواب، يترك «آمن» هذه المفارقة معلّقة، من غير حسم ولا مصالحة.


    الصورة والإخراج كأداة اغتراب

Safe (1995)


على الرغم من أن فيلم «آمن» يتناول قصة ربة منزل ثرية تعيش في الضواحي وتواجه تحدياتٍ غير مألوفة، إلا أنه يختلف تمامًا عن الرؤى الرومانسية الفاتنة لفيلمي «كارول» و«بعيدا عن الجنة». يحافظ هينز على مسافةٍ موضوعية من شخصياته باستخدام عدسات واسعة، وإطارات ضيقة، ولقطات طويلة. هذا يسمح لتصميم الإنتاج الاستثنائي بالسيطرة على كلٍ من الإطار وكارول نفسها، التي تبدو ضئيلةً أمام المنازل الصارخة والمستشفيات الكئيبة. من المقلق أن نُوضع على هذه المسافة الباردة من شخصيةٍ ما بينما تتدهور صحتها. في الواقع، قد تُحاكي هذه المسافة النقدية العين الموضوعية للطبيب، وتُذكّرنا بأنه من هذه الزاوية، من المستحيل معرفة كل شيء.

قد أقر المخرج «تود هينز» بتأثره بفيلم «Jeanne Dielman, 23 quai du Commerce, 1080 Bruxelles» وهو البورتريه الراديكالي بالغ التقشف الذي قدّمته المخرجة «شانتال أكرمان» عام ١٩٧٥ عن حياة منزلية نسائية آخذة في التفكك والانهيار. وعلى غرار تلك التحفة السينمائية، يقدّم «آمن» بطلته الخالية من الانفعال عبر سلسلة من اللقطات الطويلة المصاغة بعناية دقيقة.

ورغم أن «آمن» أقل صرامة في تعامله مع الامتداد الزمني للقطات، فإن بعض اختياراته في التأطير البصري تبدو أكثر تطرفًا؛ إذ يعمد مدير التصوير«أليكس نيبومنياشكي»  إلى إبراز اغتراب كارول، عبر تركها معلّقة داخل فضاءات داخلية مترامية وفارغة، أو بدفعها إلى أطراف الكادر في اللقطات الواسعة.

لكن إذا كان فيلم «جين ديلمان» يدفعنا إلى قراءة روتين بطلته المنضبط بوصفه وسيلة دفاعية ضد قلقها وغضبها الكامنين، فإن «آمن» يرفض أن يبوح لنا بما يجري في العالم الداخلي لكارول. ولسنا على يقين أصلًا من أن لديها عالمًا داخليًا واضح المعالم. ويتأكد هذا النقص المحتمل أكثر حين يخبرها المعالج النفسي أن مهمته هي اكتشاف «ما الذي يحدث داخلك». و كارول ليست إلا كائن فارغ بحق. 


   التلوث والخوف من الحداثة


Safe (1995)

لا يتعامل «آمن» مع التلوث بوصفه خطرًا بيئيًا مباشرًا فحسب، إنما يتعامل معه بوصفه صورة مكثفة لعصر كامل فقد براءته تجاه فكرة التقدم. فالعوادم، والمواد الكيميائية، وروائح الطلاء، ومنتجات العناية الشخصية، كلها لا تظهر في الفيلم كأشياء هامشية، بل كعلامات على حضارة صنعت راحتها من تراكم السموم غير المرئية. هنا لا يكون الخطر وحشًا قادمًا من الخارج، بل نتيجة منطق داخلي زرعته الحداثة نفسها في تفاصيل الحياة اليومية. لقد وعد العصر الصناعي الإنسان بالسيطرة والرفاه، لكنه سلّمه، في المقابل، قلقًا مزمنًا من الهواء الذي يتنفسه والأشياء التي يلمسها.

والأذكى من ذلك أن الفيلم يرفض الحسم: هل كارول مريضة فعلًا بسبب البيئة، أم أن البيئة صارت شاشة يُسقط عليها وعيها المنهك اضطرابه الداخلي؟ هذا التردد هو قلب المشروع كله. إن «تود هينز» لا يريد تفسيرًا طبيًا بقدر ما يريد فضح هشاشة الإنسان الحديث، ذاك الذي لم يعد يثق حتى في العناصر الأساسية التي تحفظ حياته. الماء مشكوك فيه، الهواء مشكوك فيه، الطعام مشكوك فيه، والجسد نفسه صار أرضًا غريبة لا تُفهم قوانينها. لقد أصبحت الحداثة، في أحد وجوهها، آلة لإنتاج الارتياب.


ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الفيلم بوصفه نبوءة مبكرة عن عالمنا الراهن؛ عالم الحساسية الجماعية، والذعر الصحي، والإدمان على التشخيص، والبحث المحموم عن “نقاء” مستحيل. وما يجعل الفيلم نافذًا إلى اليوم هو أنه أدرك باكرًا أن الإنسان قد يختنق، لا بسبب نقص التقدم، بل بسبب فائضه. إن السؤال الذي يطرحه هو: ماذا لو كان وعينا نفسه قد تلوّث بفكرة أننا لم نعد نأمن العالم؟


مشهد مفضل: عزلة وسط الجموع

Safe (1995)

في هذا المشهد تبلغ رؤية «تود هينز» ذروتها في اقتصادها البصري البارد وقدرتها على تحويل الحدث الاجتماعي العابر إلى لحظة انهيار. فكارول، التي تبدو منذ البداية ككائن غير منسجم مع إيقاع محيطها، تُدفع تدريجيًا إلى هامش المشهد داخل فضاء اجتماعي مزدحم ظاهريًا، لكنه قائم في جوهره على نوع من العزل الناعم. وحين تقع النوبة في اللحظة التي تُقصى فيها بصريًا ووجدانيًا عن دائرة النساء من حولها، يتكثف المعنى دون أي حاجة إلى تصريح مباشر؛ كأن الجسد هو الوحيد الذي بقي ليشهد على ما تعجز اللغة عن قوله.

ما يحدث هنا يتجاوز فكرة «المرض» بوصفه عرضًا جسديًا، ليقترب من كونه لغة بديلة حين تفشل اللغة الأصلية. النوبة ليست حدثًا مفاجئًا بقدر ما هي تراكم صامت لكل ما لا يُقال، لكل المسافة التي تفصل كارول عن العالم الذي يُفترض أنها تنتمي إليه. وكأن الجسد في تلك اللحظة يستعيد حقه في التعبير بعد أن جُرّد منه طوال المشهد. بهذا المعنى، لا يعود ما نراه خللًا طبيًا، بل شكلًا من أشكال الانفصال النهائي بين الذات ومحيطها.

وتأتي «جوليا مور» لتمنح هذا الانهيار ثقله الكامل عبر أداءها المبهر، بتجنب أي ميل إلى الاستعراض أو الانفعال المفتعل. فهي لا تمثل النوبة بقدر ما تسمح لها بالحدوث داخلها، كأن الشخصية تتفكك أمامنا دون أن تفقد تماسكها الظاهري بالكامل. هذا التوتر بين السكون والانهيار هو ما يجعل المشهد مرعبًا على نحو غير مباشر، ويحوّله إلى لحظة كشف صامتة، حيث لا ينهار الجسد فقط، بل تنهار معه فرضية الانسجام التي قامت عليها حياة كارول منذ البداية.


مشهد النهاية: حب الذات أم انهيارها؟


Safe (1995)

يُعدّ مشهد المرآة الختامي من أكثر النهايات التباسًا وقوة في السينما الحديثة. تقف كارول أمام انعكاسها، داخل مساحة معقّمة ومنفصلة عن العالم، وتهمس لنفسها بكلمات يفترض أنها تنتمي إلى قاموس الشفاء. لكن ما نراه لا يشبه انتصارًا داخليًا بقدر ما يشبه طقسًا أخيرًا لشخص لم يعد يملك سوى صورته. هنا تتحول المرآة من أداة معرفة إلى جدار، ومن نافذة على الذات إلى قفص تتردد فيه العبارات بلا يقين.

هل بدأت كارول فعلًا تتعافى؟ هذا احتمال لا يمكن إلغاؤه تمامًا. ربما وجدت، بعد كل هذا الضياع، حدًا أدنى من الاعتراف بنفسها. وربما كانت الجملة التي تقولها لنفسها محاولة متأخرة لبناء ذات لم تُمنح يومًا لغة مستقرة. لكن الاحتمال المقابل أكثر قسوة: أن تكون قد استسلمت تمامًا للوهم العلاجي الذي أقنعها بأن النجاة تكمن في الانغلاق، وأن المرض سببه الداخل وحده، وأن الحل هو مراقبة النفس إلى أن تنقطع عن العالم.

وهنا تتجلى براعة «تود هينز»؛ فهو لا يمنحنا خاتمة تشرح نفسها، بل يتركنا معلّقين بين الشفاء والانهيار، بين الصحوة والاستلاب. سيقرأ كل مشاهد النهاية على ضوء خوفه الشخصي: من يخشى الوحدة سيرى مأساة، ومن يؤمن بالخلاص الفردي سيرى بداية جديدة، ومن يعرف قسوة الأوهام العلاجية سيرى استسلامًا ناعمًا. إن الفيلم لا يجيب، لأنه يفهم أن بعض الأسئلة الكبرى تفسدها الإجابات السريعة.


الخلاصة: ما الذي يبقى بعد النهاية؟

فيلم «آمن» ليس فيلمًا عن مرض امرأة وحسب، بل عن حضارة كاملة فقدت قدرتها على تفسير ألمها. إنه عمل يتناول العلاقة الملتبسة بين الجسد والهوية، بين البيئة والنفس، بين الحاجة إلى المعنى والرغبة في السيطرة. يسألنا: ماذا يحدث حين يصبح الإنسان غريبًا عن جسده؟ ماذا يحدث حين تفشل اللغة في وصف المعاناة؟ وماذا يبقى من الذات إذا كانت قد بُنيت أصلًا فوق أدوار اجتماعية فارغة؟

عبقرية الفيلم تكمن في رفضه التبسيط. لا يقدّم شريرًا واضحًا، ولا علاجًا واضحًا، ولا ضحية يمكن فهمها بسهولة. إنه يترك كل شيء في منطقة التوتر الخصب: المرض حقيقي وربما رمزي، المجتمع خانق لكنه غير مرئي، الخلاص ضروري لكنه مشبوه. قليل من الأفلام يمتلك الجرأة لأن يظل غامضًا بهذا القدر، وقليل منها يعرف أن الغموض، حين يُصاغ بذكاء، ليس نقصًا بل شكلًا أرقى من الصدق.

أما على المستوى الشخصي، فأنا أعدّه من أعظم ما شاهدت على الإطلاق. من تلك الأعمال النادرة التي لا تنتهي عند ظهور التترات، بل تبدأ بعدها. فيلم يطارد الفكر، ويعود في لحظات متفرقة، ويكشف مع كل مراجعة طبقة جديدة من القلق والمعنى والسخرية السوداء. إعجابي به عبارة عن افتتان بعمل أدرك هشاشة الإنسان الحديث ببرودة جراح ماهر، ثم ترك الجرح مفتوحًا كي نتأمله. قليل من الأفلام يستحق أن يُشاهَد، وأقل منها ما يُسكن صاحبه. وهذا الفيلم من الفئة الثانية، للأسف ولحسن الحظ.

تعليقات